محمد بن جرير الطبري

54

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فسلك سهيل بن عدي وجنده طريق الفراض حتى انتهى إلى الرقة ، وقد ارفض أهل الجزيرة عن حمص إلى كورهم حين سمعوا بمقبل أهل الكوفة ، فنزل عليهم ، فأقام محاصرهم حتى صالحوه ، وذلك انهم قالوا فيما بينهم : أنتم بين أهل العراق وأهل الشام ، فما بقاؤكم على حرب هؤلاء وهؤلاء ! فبعثوا في ذلك إلى عياض وهو في منزل واسط من الجزيرة ، فرأى ان يقبل منهم ، فبايعوه وقبل منهم ، وكان الذي عقد لهم سهيل بن عدي عن امر عياض ، لأنه أمير القتال واجروا ما أخذوا عنوه ، ثم أجابوا مجرى أهل الذمة ، وخرج عبد الله بن عبد الله بن عتبان ، فسلك على دجلة حتى انتهى إلى الموصل ، فعبر إلى بلد حتى اتى نصيبين ، فلقوه بالصلح ، وصنعوا كما صنع أهل الرقة ، وخافوا مثل الذي خافوا ، فكتبوا إلى عياض ، فرأى ان يقبل منهم ، فعقد لهم عبد الله بن عبد الله ، واجروا ما أخذوا عنوه ، ثم أجابوا مجرى أهل الذمة ، وخرج الوليد بن عقبه حتى قدم على بنى تغلب وعرب الجزيرة ، فنهض معه مسلمهم وكافرهم الا اياد ابن نزار ، فإنهم ارتحلوا بقليتهم ، فاقتحموا ارض الروم ، فكتب بذلك الوليد إلى عمر بن الخطاب ولما اعطى أهل الرقة ونصيبين الطاعة ضم عياض سهيلا وعبد الله اليه فسار بالناس إلى حران ، فاخذ ما دونها فلما انتهى إليهم اتقوه بالإجابة إلى الجزية فقبل منهم ، واجرى من أجاب بعد غلبه مجرى أهل الذمة ثم إن عياضا سرح سهيلا وعبد الله إلى الرهاء ، فاتقوهما بالإجابة إلى الجزية ، واجرى من دونهم مجراهم ، فكانت الجزيرة أسهل البلدان امرا ، وأيسره فتحا ، فكانت تلك السهوله مهجنه عليهم وعلى من أقام فيهم من المسلمين ، وقال عياض بن غنم : من مبلغ الأقوام ان جموعنا * حوت الجزيرة يوم ذات زحام جمعوا الجزيرة والغياث فنفسوا * عمن بحمص غيابه القدام